السيد محسن الأمين

444

أعيان الشيعة

حياته . ولقد سار صيته في الكرم حتى طبق الآفاق ، وخلد ذكره بين الناس حتى أيامنا هذه ، وما يزال الناس في العراق يضربون به المثل في الكرم والسخاء ، فإذا أرادوا ان ينعتوا الرجل الكريم بالبذل وطلاقة الوجه قالوا إنه أبو دلف . ولقد كان أبو دلف لكرمه وسخاء نفسه محط أنظار الشعراء ومهوى آمالهم في بره وطيب لقائه وطلاقة وجهه . وتروى من قصص الشعراء معه طرائف قد يحمل بعضها على المبالغة والغلو . من ذلك أن بكر بن النطاح ، وهو واحد من الشعراء الذين اختصوا بأبي دلف والتزموه ، قال فيه : يا طالبا للكيمياء وعلمها * مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم لو لم يكن في الأرض إلا درهم * ومدحته لأتاك ذاك الدرهم فيقال أن أبا دلف أعطاه على هذين البيتين عشرة آلاف درهم . فاغفله قليلا ثم دخل عليه ، وقد اشترى بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلة فأنشده : بك ابتعت في نهر الأبلة قرية * عليها قصير بالرخام مشيد إلى جنبها أخت لها يعرضونها * وعندك مال للهبات عتيد فقال له أبو دلف : تعلم أن نهر الأبلة عظيم وفيه قرى كثيرة ، وكل أخت إلى جانبها أخرى ، وان فتحت هذا الباب اتسع على الخرق ، فاقنع بهذه ونصطلح عليها . فدعا له وانصرف . ومن طريف ما يرويه مؤرخوه أن رجلا من الموالي يدعى أبا عبد الله أحمد بن أبي فنن كان فقيرا لا يكاد يبلغ رزق عياله : فقالت له زوجه : يا هذا ان الأدب أراه سقط نجمه وطاش سهمه ، فاعمد إلى سيفك ورمحك وقوسك ، وادخل مع الناس في غزواتهم ، فعسى الله أن ينفعك من الغنيمة شيئا ، فأنشد : ما لي وما لك قد كلفتني شططا * حمل السلاح وقول الدار عين قف أمن رجال المنايا خلتني رجلا * أمسي وأصبح مشتاقا إلى التلف ؟ تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها * فكيف أمشي إليها بارز الكتف ظننت أن نزال القرن من خلقي * وأن قلبي في جنبي أبي دلف وتروي في شدة بأسه وقوة جسمه طرائف من الاخبار هي إلى المبالغة أقرب ، وفي باب الخيال أدخل ، ولكنها تدل على ما كان عليه من قوة خارقة وشجاعة نادرة . فمن ذلك ما يقال عن جماعة قطعوا الطريق في بعض أعماله فلحقهم فطعن فارسا منهم ، فنفذت منه الطعنة حتى وصلت إلى فارس آخر كان وراءه ، فنفذ فيه سنان الرمح فقتلهما . وفي ذلك يقول بكر ابن النطاح : قالوا وينظم فارسين بطعنة * يوم الهياج ولا تراه كليلا لا تعجبوا فلو أن طول قناته * ميل إذا نظم الفوارس ميلا ولقد كان أبو دلف ، شأن أمثاله من القادة العرب ، ذخيرة تعتدها الخلافة لأيام الشدائد . ولقد كان لها أبو دلف سيفا صالت به في وجه بابك الخرمي وجالدت به أمثاله من أعدائها الذين كشفوا عن الشرك والكفر يضمرونه في قلوبهم ، والاسلام لعق على ألسنتهم لا يجاوز حناجرهم . ولقد خلد أبو تمام الطائي بلاء أبي دلف في هذه الحروب وتلك الفتن ، وكيف صال في وجهها بسيفه وبرأيه ، حتى كشف بهما وجه النصر أبلج وضاءها هو ذا يقول في إحدى مدائح أبي دلف : إن الخليفة والأفشين قد علما * من اشتفى لهما من بابك وشفى في يوم أرشق والهيجاء قد رشفت * من المنية رشقا وابلا قصفا فكان شخصك في أغفالها علما * وكان رأيك في ظلمائها سدفا نصبته دلفيا من كنانته * فأصبحت فوزة العقبى له هدفا ذمرت جمع الهدى فانقض منصلتا * وكان في حلقات الرعب قد رسفا ومر بابك مر الريح منجذبا * محلوليا دمه المعسول لو رشفا حيران يحسب سجف النقع من دهش * طودا يحاذر أن ينقض أو جرفا إلى أن يقول : أعطى بكلتا يديه حين قيل له * هذا أبو دلف العجلي قد دلفا ولقد أحيا أبو دلف بكرمه وشجاعته وطلاقة وجهه ورجاحة عقله ، صورة الفتى العربي ، السيد الكريم النجار ، لا يتعالى ولا يصعر خده كبرا وخيلاء ، الكريم في غير تكلف ، السخي في غير إدلال ولا منة ، الشجاع المقدام ، السديد الرأي الثاقب النظر . ونحن نقف على ملامح هذه الصورة الرائعة في شعر أبي تمام الطائي ، وفي شعر بكر بن النطاح ، وفي شعر علي بن جبلة العكوك ، وكلهم محص أبا دلف خلاصة شعوره وعصارة فنه الشعري . وحسب أبي دلف في خلود ذكره وطيب أحدوثته ، قول العكوك فيه وهو من أشهر الشعر وأسيره واخلده ذكرا : إنما الدنيا أبو دلف * بين مغزاه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف * ولت الدنيا على أثره كل من في الأرض من عرب * بين باديه إلى حضره مستعير منك مكرمة * يكتسيها يوم مفتخره مير شاة قاسم السبزواري ثم المشهدي . أصله من سبزوار وأقام مدة في المشهد المقدس الرضوي لأجل تحصيل العلوم العقلية والنقلية ثم عاد إلى سبزوار فأقام بها إلى أن توفي في أواسط المائة الثانية بعد الألف ( 1 ) . الشيخ قاسم قسام بن حمود خليل ينتهي نسبه إلى عمران بن شاهين صاحب البطيحة المشهور . ولد في النجف سنة 1268 وتوفي 1331 . تخرج بكبار فقهاء عصره أمثال الميرزا حسين آل الميرزا خليل والميرزا حسن الشيرازي والسيد كاظم اليزدي وشيخ الشريعة الأصفهاني وتخرج عليه في الفقه والأصول طوائف مختلفة . وقد ترك من المؤلفات كتاب نور

--> ( 1 ) مطلع الشمس .